فخر الدين الرازي
132
تفسير الرازي
قوله تعالى * ( " وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الاَْرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً * وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفَا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ ياوَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) * اعلم أنه تعالى لما بين خساسة الدنيا وشرف القيامة أردفه بأحوال القيامة فقال : * ( ويوم نسير الجبال ) * والمقصود منه الرد على المشركين الذي افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأعوان واختلفوا في الناصب لقوله : * ( ويوم نسير الجبال ) * على وجوه : أحدها : أنه يكون التقدير واذكر لهم : * ( يوم نسير الجبال ) * عطفاً على قوله : * ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ) * ( الكهف : 45 ) . الثاني : أنه يكون التقدير : * ( ويوم نسير الجبال ) * حصل كذا وكذا يقال لهم : * ( لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ) * لأن القول مضمر في هذا الموضع فكان المعنى أنه يقال لهم : هذا في هذا الموضع . الثالث : أن يكون التقدير * ( خير أملاً ) * في * ( يوم نسير الجبال ) * والأول أظهر . إذا عرفت هذا فنقول : إنه ذكر في الآية من أحوال القيامة أنواعاً . النوع الأول : قوله : * ( ويوم نسير الجبال ) * وفيه بحثان : البحث الأول : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر تسير على فعل ما لم يسم فاعله الجبال بالرفع بإسناد تسير إليه اعتباراً بقوله تعالى : * ( وإذا الجبال سيرت ) * ( التكوير : 3 ) والباقون نسير باسناد فعل التسيير إلى نفسه ( تعالى و ) الجبال بالنصب لكونه مفعول نسير ، والمعنى نحن نفعل بها ذلك اعتباراً بقوله : * ( وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً ) * والمعنى واحد لأنها إذا سيرت فمسيرها ليس إلا الله سبحانه . ونقل صاحب الكشاف قراءة أخرى وهي تسير الجبال بإسناد تسير إلى الجبال . البحث الثاني : قوله : * ( ويوم نسير الجبال ) * ليس في لفظ الآية ما يدل على أنها إلى أين تسير ، فيحتمل أن يقال : إنه تعالى يسيرها إلى الموضع الذي يريده ولم يبين ذلك الموضع لخلقه